السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحاديث وسور ضعيفة وموضوعة من المصائب العظمى التي نزلت بالمسلمين من العصور الأولى انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بينهم, منها ماهو من الأمور الاعتقادية الغيبية, ومنها ما هو من الأمور التشريعية. وقد ادى انتشارها الى مفاسد كثيرة, وقد اقتضت حكمة العليم الحكيم سبحانه وتعالى أن لايدع هذه الأحاديث التي اختلقها المغرضون لغايات شتى تسري بين المسلمين دون أن يقيض لها من يكشف القناع عن حقيقتها و يبين للناس أمرها, أولئك هم أئمة الحديث الشريف و حاملوا الوية السنة النبوية الذين دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها و حفظها وبلّغها, فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " –أخرجه أبو داوود والترمذي وصححه – فقد قام هؤلاء الأئمة جزاهم الله عن المسلمين خيرا, ببيان حال أكثر الأحاديث من صحة أو ضعف أو وضع, و أصّلوا أصولا متينة, و قعّدوا قواعد رصينة, من أتقنها وتضلع بمعرفتها أمكنه أن يعلم درجة أي حديث , وذلك هو علم أصول الحديث أو مصطلح الحديث. وفي هذا الباب سيتم عرض بعض من هذه الأحاديث الضعيفة والتي شاع ذكرها بين الناس عن جهل منهم, وذلك بالاقتباس من كتاب
(سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السئ في الأمة ) لـ محمد ناصر الدين الألباني.
( من زار قبر والديه كل جمعة , فقرأ عندهما أو عنده " يس " غفر له بعدد كل آية أو حرف )موضوع , رواه ابن عدي(286/1) وأبو نعيم في " أخبار أصبهان "(2/344-345) وعبد الغني المقدسي في " السنن "(91/2) . وكتب بعض المحدثين على هامش نسخة سنن المقدسيهذا حديث غبر ثابت) , وقال ابن عدي ( باطل ليس له أصل بهذا الاسناد) ( موضوع ) ثم قال: ( ولعمرو بن زياد غير هذا من الحديث , منها سرقة يسرقها من الثقات, ومنها موضوعات, وكان هو يتهم بوضعها )والحديث يدل على استحباب قراءة القرآن عند القبور, وليس في السنة الصحيحة ما يشهد لذلك, بل هي تدل على أن المشروع عند زيارة القبور انما هو السلام عليهم وتذكر الآخرة فقط , فقراءة القرآن عندها بدعة مكروهة كما صرح أبو حنيفة ومالك و أحمد.
( من أكل مع مغفور له غُفِر له ) كذب لا أصل له
قال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى : ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوحٍ و امرأة لوطٍ كانتا تحتَ عبدينِ من عِبادِنا صالِحَين فخَانتاهُما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين - التحريم 10 ,واستدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف هذا الحديث , و في " المقاصد " قال ابن حجر: ( كذب موضوع ) وسبقه الى ذلك ابن القيم في " المنار "- ص 50 – وقال شيخ الاسلام ابن تيمية: ( هذا ليس له إسناد عند أهل العلم ولا هو في شئ من كتب المسلمين, إنما يروونه عن سنان, وليس معناه صحيحاً على الاطلاق, فقد يأكل مع المسلمين الكفار والمنافقون )
( إذا جامع أحدكم فلا ينظر إلى الفرج فإنه يورث العمى, ولا يكثر الكلام فإنه يورث الخرس )موضوع أورده ابن الجوزي من رواية الأزدي عن ابراهيم الفريابي: ثم قال الأزدي: إبراهيم ساقط. هذا الحديث تفرد به محمد بن عبدالرحمن التتري و هو شامي يأتي بمناكير. قلت: فهذا هو علة الحديث قال فيه الذهبي: (متهم ليس بثقة, وقد قال فيه أبو الفتح الأزدي: كذاب متروك الحديث )والنظر الصحيح يدل على بطلان هذا الحديث, فإن تحريم النظر بالنسبة للجماع من باب تحريم الوسائل فإذا أباح الله تعالى للزوج أن يجامع زوجته فلا يعقل أن يمنعه من النظر الى , ويؤيد هذا من النقل حديث عائشة قالت: ( كنت اغتسل انا و رسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء بيني وبينه, فيبادرني حتى أقول دع لي دع لي ) – أخرجه الشيخان و غيرهما - . فالظاهر من هذا الحديث جواز النظر إلى عورة امرأته وعكسه, فلا فرق بين النظر عند الاغتسال أو الجماع .
( شاوروهن وخالفوهن - يعني النساء - ) لا أصل له مرفوعا ,كما اكده السخاوي, ثم المناوي (4/263)
و مثله (هلكت الرجال حين أطاعت النساء ) ضعيف , أخرجه ابن عدي (38/1) و أبو معيم في "أخبار أصبهان"(2/34) و الحاكم(4/291) و أحمد(5/45) من طريق أبي بكرة. قال ابن معين: ليس بشئ, وقال ابن عدي: هو من جملة الضعفاء .
ثم أن المعنى غير صحيح على اطلاقه, فقد ثبت في قصة صلح الحديبية من " صحيح البخاري "(5/365) أن أم سلمة رضي الله عنها أشارت على النبي صلى الله عليه وسلم حين امتنع أصحابه من أن ينحروا هديهم , أن يخرج صلى الله عليه وسلم ولا يكلم أحداً منهم كلمة حتى ينحر بُـدْنه ويحلق, ففعل, فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا.
حديث: أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم.هذا الحديث ضعيف باعتراف العلماء، رواه ابن عبد البر في " جامع العلم" (2/19) و ابن حزم في " الإحكام "(6/82) عن جابر مرفوعاً , وقال ابن عبد البر: (هذا إسناد لا تقوم به حجة, لأن الحارث بن غصين مجهول ) ,
يقول ابن تيمية: (ضعفه أئمة الحديث، فلا حجة فيه).وقال ابن عبد البر : (إسناده لا تقوم به حجة) وقال ابن حزم: (هذه رواية ساقطة لا تثبت أصلاً، أبو سفيان ضعيف, والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي, وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة, وهذا منها بلا شك ) وقال أحمد: (لا يصح هذا الحديث).وقال الشوكاني (فهذا ما لم يثبت قط). وقال الألباني : (موضوع) بل هو حديث باطل.
ومثله سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي, فأوحى الله إليّ يا محمد أن أصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء, بعضها أضوأ من بعض, فمن أخذ بشئ مما هم عليه من اختلاف فهو عندي على هدى ) موضوع , رواه ابن بطة في " الأبانة " (4/11/2) و الخطيب و نظام الملك في " الأمالي "(13/2) و ابن عساكر(6/303/1) عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. و هذا سنده موضوع, نعيم ابن حماد ضعيف, قال الحافظ: ( يخطئ كثيراً) و عبد الرحيم ابن زيد العمى كذاب .
وقرأت في مقدمة كيفية صلاة النبي للألباني أن "اختلاف امتي رحمة" متكلم فيه هو الآخر
( استشفوا بما حمد الله به نفسه قبل أن يحمده خلقه, وبما مدح الله به نفسه: ( الحمد لله ) و ( قل هو الله أحد ) ,فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله )ضعيف جداً , رواه أبو محمد الخلال عن رجاء الغنوي .قلت : أحمد بن الحارث الغساني قال ابن أبي الحاتم في " الجرح والتعديل "(1/1/47): سألت أبي عنه فقال : (متروك الحديث) , وقال النسائي : (منكر الحديث) , وقال البخاري والدولابي: (فيه نظر) , وقال العقيلي : (له مناكير لا يتابع عليها) قال: (ولا يعرف لرجاء الغنوي رواية, ولا صحت له صحبة ).
و هذا الحديث يوحي بترك المعالجة بالأدوية المادية , وهذا شئ لا يتفق مع سنته صلى الله عليه وسلم القولية و الفعلية, فقد تعالج صلى الله عليه وسلم بالأدوية مراراً, وأمر بذلك فقال (يا عباد الله تداووا فإن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواء )- صحيح -
( أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي, والقرآن عربي, وكلام أهل الجنة عربي) موضوع , واسناده موضوع لعلل كثيرة, منها: العلاء بن عمرو, قال الذهبي في "الميزان" : (متروك), وقال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به بحال) ثم ساق له هذا الحديث من طريق العقيلي ثم قال: (وهو كذب) , وقال النسائي: (ضعيف) . والحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق العقيلي, ثم قال: (قال العقيلي: منكر لا أصل له) . قال ابن الجوزي: (يحيى يروي المقلوبات) .ومما يدل على بطلان نسبة هذا الحديث إليه صلى الله عليه وسلم أنه لا يلتئم مع قوله تعالى :** إن أكرمكم عند الله أتقاكم }, وقوله صلى الله عليه وسلم : (لا فضل لعربي على عجمي ... إلا بالتقوى )- رواه أحمد بسند صحيح -
( أحيوا قلوبكم بقلة الضحك و قلة الشبع, و طهروها بالجوع تصغر و ترق) لا أصل له , كما كما يفيده الحافظ العراقي في "تخريج الأحياء"(3/73), والتاج السبكي في " الطبقات الكبرى"(4/163).
(أفضل الناس من قل طمعه وضحكه, ويرضى بما يستر به عورته)
لا أصل له , قال الحافظ العراقي في "تخريج الأحياء والتاج السبكي في " الطبقات الكبرى ": لم أجد له أصلاً
( أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعاً و تفكيراً في الله سبحانه,وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نؤوم أكول شروب ) لا أصل له , وإن ذكره الغزالي في " الاحياء"(3/96) , وقال الحافظ العراقي في "تخريجه" والتاج السبكي في "الطبقات" : (لم أجد له أصلاً )
(البسوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة )
(إن الأكل على الشبع يورث البرص) ( جاهدوا أنفسكم بالجوع و العطش, فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله , وإنه ليس عمل أحب الى الله من جوع وعطش ) ( سيد الأعمال الجوع , وذل النفس لباس الصوف ) ( الفكر نصف العبادة, وقلة الطعام هي العبادة ) لا أصل لها , كما أفاد الحافظ العراقي في "تخريج الأحياء"(3/69) , والسبكي في "الطبقات الكبرى"(4/162). كلها باطلة ,لا أصل لها , كما أفاد العراقي في "تخريجه" , والسبكي في "الطبقات".
( لا تتمارضوا فتمرضوا, ولا تحفروا قبوركم فتموتوا) منكر , قال ابن ابي حاتم في " العلل "(2/321): (سألت أبي عنه فقال : (هذا حديث منكر). وعلته محمد بن سليمان هذا قال الذهبي في "الميزان": (مجهول, والحديث الذي رواه منكر) .
( أذيبوا طعامكم بذكر الله و الصلاة, ولا تناموا عليها فتقسو قلوبكم ) موضوع , أخرجه ابن نصر في "قيام الليل"(ص 19-20), والعقيلي في "الضعفاء"(ص57) و ابن عدي في "الكامل"(40/2), وأبو نعيم في "أخبار أصبهان"(1/96), وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(ص165), قلت: وهذا موضوع, قال العقيلي: (بزيع لا يتابع عليه) و قال ابن عدي بعد أن ساق له أحاديث أخرى: (وهذه الأحاديث مناكير كلها لا يتابعه عليها أحد), وقال الذهبي في "الميزان": (متهم, قال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء موضوعات كأنه المتعمد لها )
واعلم أن أسعد الناس بهذا الحديث المكذوب هم أولئك الأكلة الرقصة الذين يملؤون بطونهم بمختلف الطعام والشراب, ثم يقومون آخذاً بعضهم بيد بعض يذكرون الله تعالى - زعموا – يميلون يمنة ويسرة وأماماً وخلفاً, وينشدون الأشعار بالأصوات المطربة حتى يذوب ما في بطونهم, ومع ذلك فهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!
يتبـــع

